تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كمال الحيدري

61

قاعدة لا ضرر ولا ضرار

ولا أجازف إذا قلت : إنه مع الاعتقاد الكامل بالإنجازات العلمية الضخمة التي أنجزها أستاذنا الشهيد على مستوى علم الأصول بنحو يمكن عدّ مدرسته الأصولية عصراً رابعاً من عصور العلم إلّا أنّها وإن وفِّقت في تغيير جملة من الأركان الأساسية لعلم الأصول المتعارف كما تقدّم في بحث قبح العقاب بلا بيان ولكن مع ذلك بقيت محكومة بنفس الأطر والمسلّمات الفقهية الموروثة عن علمائنا السابقين ، ولم تستطع تجاوز أو تطوير تلك الأسس ، وهذا ما نجده واضحاً في الأبحاث الفقهية الاستدلالية التي أدلى بها شهيدنا الصدر . مع أنه كما هو واضح من الدراسات الفكرية العميقة التي قدّمها في هذا المجال وخصوصاً في كتاب " اقتصادنا " كان ملتفتاً جيّداً إلى هذه الحيثية التي أشرنا إليها ، ويمكن مراجعة ذلك في بحثه القيّم عن " عملية الاجتهاد والذاتية " ولكن مع هذا كلّه لم يفعل شيئاً يتناسب مع ذلك البحث في بحوثه الأكاديمية في الأصول والفقه ولعلّ السبب يرجع إلى تلك الحالة النفسية التي أشار إليها هو ، لأنّ هذه الحالة توجد عند الفقيه قناعات وجدانية لا يمكنه تجاوزها ، فلهذا نجد أنّه كان يعتقد أنّ الإنسان قد تحصل له قناعة بشيء وهي حجّة ينبغي قبولها وإن لم يكن واقفاً على الدليل عليها . يقول : « إنّ هذا النزوع والاتجاه نحو وجدان دليل وفق ما تقتضيه تلك الحالة النفسية لعلّه واللَّه العالم من نتائج المنطق الأرسطي القائل بأن الشيء لا بدّ من أن يكون ضرورياً أو مكتسباً منتهياً إلى الضروري ، فخلّف هذا المنطق في الأذهان في مختلف العلوم ، ومنها علم الفقه تخيّل أن الإنسان غير الساذج لا ينبغي له تسليم أي دعوى لا تكون ضرورية ولا منتهية إلى الضروريات . ومن هنا يحاول الفقيه أن يجد دليلًا وفق مقصوده كي لا يكون مدّعياً لشيء بلا دليل .